أحمد بن محمد المقري التلمساني

52

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

الخائن وقد دلفت المخاوف إليه ، وحسب كلّ صيحة عليه « 1 » ، فاقتضت نعامته الشائلة ، ودولة بغيه الزائلة ، وآراؤه الفائلة « 2 » ، أن ضمّ ما أمكنه من ذخيرة مكنونة ، وآلة للملك مصونة ، واستركب أوباشه « 3 » الذين استباح الحقّ دماءهم ، وعرف الخلق اعتزاءهم للغدر وانتماءهم ، وقصد سلطان قشتالة من غير عهد ولا وثيقة ، ولا مثلي طريقة ، ولا شيمة بالرّعي خليقة ، لكن اللّه ، عزّ وجلّ ، حمله على قدمه ، لإراقة دمه ، وزيّن الوجود بعدمه ، فلحين قدومه عليه راجيا أن يستفزّه بعرض ، أو يحيل صحة عقده المبرم إلى مرض ، ومؤملا هو وشيعته الغادرة كرّة على الإسلام مجهزة ، ونصرة لمواعيد الشيطان منجزة ، تقبض عليه وعلى شيعته ، وصمّ عن سماع خديعته ، وأفحش بهم المثلة ، وأساء بحسن رأيه فيهم القتلة ، فأراح اللّه تعالى بإبادتهم نفوس العباد ، وأحيا بهلاكهم أرماق البلاد « 4 » . وحثثنا السير إلى دار ملكنا فدخلناها في اليوم الأغرّ المحجّل ، وحصلنا منها على الفتح الهني المعجّل ، وعدنا إلى الأريكة التي نبابنا عنها التمحيص فما حسبناه إلّا سرورا أعقبه الكمال ، ومرضا عاجله الإبلال « 5 » ، فثابت « 6 » للدين الآمال ، ونجحت الأعمال ، وبذلنا في الناس من العفو ما غفر الذنوب ، وجبر القلوب ، وأشعنا العفو في القريب والقصيّ « 7 » ، وألبسنا المريب ثوب البريّ ، وتألّفنا الشارد ، وأعذبنا الموارد ، وأجرينا العوائد ، وأسنينا الفوائد ، إلّا ما كان من شرذمة عظمت جرائرهم ، وخبثت في معاملة اللّه تعالى سرائرهم ، وعرف شؤمهم ، وصدق من يلومهم ، فأقصيناهم وشرّدناهم ، وأجليناهم عن هذا الوطن الجهادي وأبعدناهم . ولمّا تعرّف سلطان قشتالة باستقلالنا ، واستقرارنا بحضرة الملك واحتلالنا ، بادر يعرّف بما كان من عمله فيمن لحق به من طائفة الغدر ، وإخوان الخديعة والمكر ، وبعث إلينا برءوسهم ، ما بين رئيسهم الشقيّ ومرءوسهم ، وقد طفا على جداول السيوف حبابها « 8 » ، وراق بحنّاء الدماء خضابها ، وبرز الناس إلى مشاهدتها معتبرين ، وفي قدرة اللّه تعالى مستبصرين ، ولدفاع الناس بعضهم ببعض شاكرين ، وأحقّ اللّه تعالى الحقّ بكلماته

--> ( 1 ) كناية عن الذعر والخوف . وفي التنزيل العزيز يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ [ المنافقون : 4 ] . ( 2 ) رأي فائل : ضعيف لا سداد فيه . ( 3 ) الأوباش : كلمة عامية وأراد ( أوشاب ) أي الأخلاط . ( 4 ) الأرماق : جمع رمق وهو بقية الروح في الجسد . ( 5 ) الإبلال : مصدر ( أبل ) أي شفي من مرضه . ( 6 ) ثابت : عادت ورجعت . ( 7 ) القصيّ : البعيد . ( 8 ) الحباب - بفتح الجيم - فقاقيع الهواء على وجه الماء .